عبد الله الأنصاري الهروي

70

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

التّوبة منه ، وفيه جرأة على اللّه تعالى ومبارزة له ، ومحض التزيّن بالحميّة ، أي بالمحاماة للنّفس حين يقول من هذه حاله : مالي ذنب ، فإنّ اللّه تعالى حكم عليّ وقدّر وقضى ، ثمّ إنّه يسترسل مع القطيعة ، أي المقاطعة للَّه تعالى بكونه لا يعترف ، ويرجع إلى اللّه تعالى بالتّوبة ، وهذا أكثر من يقع فيه الذين يسلكون بأنفسهم ، من غير أن يكون لهم مربّ أو شيخ يؤدّبهم ، وربّما كانت جرأتهم عن وارد بسط وهو حقّ ، فتؤدّيهم حقيقته إلى الانبساط الخارج عن الحدّ ، وتوبة هؤلاء هي بوارد آخر يمنعهم من الانبساط ، وليس كتوبة العامّة ، فإنّ توبتهم بأنفسهم . [ توبة الخواصّ من تضييع الوقت ] وتوبة الخواصّ من تضييع الوقت ، فإنّه يدعو إلى درك النقيصة ، ويطفي نور المراقبة ، ويكدّر عين الصحبة . ( 1 ) يقول : إنّ توبة الخواصّ هي من تضييع الوقت في غير المراقبة ، فإنّ ذلك يدعو إلى الدّرك الأسفل ، وهي النّقيصة ، لأنّه يعوق عن الكمال ، فيحصل النّقص ، والدّرك إلى أسفل بمنزلة الدّرج إلى فوق ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ « 12 » . وقوله : ويطفي نور المراقبة ، يعني أنّ المراقبة تعطي النّور الكاشف للحقائق ، وتضييع الوقت يقتضي ترك المراقبة ، فينطفئ ذلك النّور ( بالغفلة ) « 13 » . قوله : ويكدّر عين الصّحبة ، / أي ويكدّر الصّحبة مع اللّه تعالى ، قال عليه السّلام : « اللّهم أنت الصّاحب في السّفر » « 14 » ، فأثبت الصّحبة . ولا شكّ أنّ تضييع الوقت يكدّرها ، فإذا توبة الخواصّ من تضييع الوقت الدّاعي إلى هذه الأمور والنّقائص والشّرور .

--> ( 12 ) الآية 145 سورة النساء . ( 13 ) في ( ب ) بالمراقبة . ( 14 ) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب ما يقول إذا خرج مسافرا .